البدعة وأثرها السيء

1. البدعة لغة لها معنيان


أحدهما : الشىء المخترع على غير مثال سابق ، ومنه قول العزيز الحميد :
{ قل ما كنت بدعا من الرسل }(الأحقاف : 9) ؛
أي : ما كنت أول المرسلين ، فقد أرسل قبلي رسل كثير ، وجئت على فترة منهم ، ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد : أبدع وابتدع وتبدّع ؛أي : أتى ببدعة ، ومنه قول الله تعالى : { ورهبانية ابتدعوها } ( الحديد : 27 )
وبديع السماوات والأرض صفة من صفات الله تبارك وتعالى لإبداعه إياها ، وإحداثه لها عن غير مثال سابق ؛ لقوله تعالى { بديع السموات والأرض } ( البقرة : 117 )
قال أبو بكر الطرطوشي : " أصل هذه الكلمة من الإختراع ، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ، ولا مثلا احتذى ، ولا أُلف مثله .
ومنه قوله تعالى : { بديع السموات والأرض } ، وقوله : {قل ما كنت بدعا من الرسل } (الأحقاف :9) ؛ أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض .
وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب ، وفيما تنطق به الألسنة ، وفيما تفعله الجوارح " ([1] )
الآخر : التعب والكلال ، يقال : أبدعت الإبل ؛ إذا بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال .
وقد لا يكون الإبداع إلا بظلع ، يقال : أبدعت به راحلته ؛ إذا ظلعت .

 

2. إلا أن المعنى الثاني يعود إلى الأول ؛ لأن معنى أبدعت الراحلة : بدأبها التعب بعد أن لم يكن بها .
وقد أشار ابن منظور إلى هذا المعنى ، فقال : " كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعا ؛ أي : إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها ، ومنه الحديث ([2]) : كيف أصنع بما أبدع علي منها ؟)


3. مما سبق يتبين :
أن ة البدعة اسم هيئة من الإبتداع ، وهي كل ما أحدث على غير مثال سابق ، وهي تطلق على عالم الخير والشر ، وأكثر ما تستعمل عرفا في الذم.
قال أبو شامة : " وقد غلب لفظ ( البدعة ) على الحدث المكره في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ، ومثله لفظ ( المبتدع ) لا يكاد يستعمل إلا في الذم .
وأما من حيث أصل الإشتقاق ؛ فإنه يقال ذلك في المدح والذم ؛ لأن المراد إنه شيء مخترع على غير مثال سابق ، ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالا وجودة : ما هو إلا بدعة .
وقال الجوهري في كتاب " صحاح اللغة " والبديع والمبتدع أيضا ، والبدعة : الحدث في الدين بعد الإكمال " ([3]


4. اختلفت كلمات العلماء في تحديد معنى البدعة شرعاً ؛ فمنهم من جعلها في مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما أُحدث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكان محموداً أو مذموماً.
ولعل أحسنها وأوضحها وأجمعها وأقومها ما اختاره الإمام الشاطبي رحمه الله " فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد للهِ سبحانه " (2) .
ثم شرع – رحمه الله تعالى- في شرح هذا الحدّ مطولاً ، وإليك ملخص مقصاد كلامه :
طريقة : هي ما رسم للسلوك عليها .
في الدين : قُيِّدت بالدين ؛ لأنها فيه تُخترعُ ، وإليه يُضيفها صاحبها .
تقسم الطرائق في الدين إلى قسمين :
منها : ما له أصل في التشريع ، ومنها ما ليس له أصل . والبدعة تعود إلى القسم المخترع .
تضاهي الشرعية : تشابه الطريقة الشرعية في الصورة الخارجية ، وليس في الحقيقة كذلك ، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة :
منها : التزام كيفيات وهيئات معينة دون إذن من الشارع بذلك .
ومنها : التزام عبادات معينة لم يوجد لها ذلك التّعيين في الشريعة .
يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى :
لأن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك ؛فكأن المبتدع لم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من الشعائر كاف ؛ فبالغ وزاد ، وكررّ وأعاد .
قلت : بهذا الحد الجامع خرجت البدع الدنيوية ؛ كالسيارات ، والبارود ، والطائرات ، وتصنيف الكتب،
وأشباه ذلك ، فكلها وسائل مشروعة ؛ لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنص ، وهي التي تقبل التقسيم إلى الأحكام الخمسة ، لا البدعة الدينية ، وهذا كما يقال : " ما لا يتم الواجب به ؛ فهو واجب " .


5- أما أنواع البدع ؛ فهي الحقيقة ، والإضافية ، والتّرْكيّة :
قال العلامة الشاطبي :

البدعة الحقيقية : هي التي لم يدل عليها دليل شرعي ، لا من كتاب ولا من سنة وزلا من إجماع ، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم ، لا في الجملة ولا في التفصيل.
ولذلك سميت بدعة ؛ لانها شيء مخترع على غير مثال سابق وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع ، إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة .
لكن تلك الدعوى غير صحيحة ، لا في نفس الأمر ، فبالعرض ([4]) ، وأما بحسب الظاهر ، فإن أدلته شبه ، وليست بأدلة إن استدل ، وإلا ؛ فالأمر واضح .
,اما البدعة الإضافية ؛ فهي التي لها شائبتان :

إحداهما : لها من الأدلة متعلق ، فلا تكون من تلك الجهة بدعة .

والأخرى ليس لها متعلق ، إلا مثل ما للبدعة الحقيقية ([5])

فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين ، وضعنا له هذه التسمية ، وهي : البدعة الإضافية ؛ أي : أنها بالنسبةإلى إحدى الجهتين سنة ؛ لأنها مستندة إلى دليل ([6]) ، وبالنسبة إلى الجهة الخرى بدعة ؛ لأنها مستندة إلى شبهة ، لا إلى دليل ، أو غير مستندة إلى شيء .
والفرق بينهما من جهة المعنى : أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها ، مع أنها محتاجة إليه ، لأن الغالب وقوعها في التعبدات ، لا في العاديات المحضة([7])
وعليه " فإن البدعة الحقيقية أعظم وزرا ، لأنها التي باشرها المنتهي ([8]) بغير واسطة ، ولأنها مخالفة محضة ، وخروج عن السنة ؟اهر ؛ كالقول بالقدر ، والتحسين والتقبيح ، والقول بإنكار خبر الواحد ، وإنكار الإجماع ، وإنكار تحريم الخمر ، والقول بالإمام المعصوم ، وما أشبه ذلك .

 

 

المقال من الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ سليم بن عيد الهلالى حفظه الله