مفارقة اهل البدع وهجرهم
قال الامام البغوى :
" قد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم عن افتراق هذه الامة وظهور هذه الهواء والبدع فيهم وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته وسنة أصحابه رضى الله عنهم .
فعلى المرء المسلم إذا راى رجلا يتعاطى شيئا من الأهواء والبدع معتقدا أو يتهاون بشئ من السنن أن يهجره ويتبرأ منه ويتركه حيا وميتا فلا يسلم عليه إذا لقيه ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته ويراجع الحق .
والنهى عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير فى حقوق الصحبة والعشرة ، دون ما كان ذلك فى حق الدين ، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا " .
ثم قال رحمه الله مستنبطا من حديث المخلفين :
" وقد مضت الصحابة والتابعون واتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم " .
وقال الامام الشوكانى فى تفسير قوله تعالى : ( وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) .
" وفى هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله ويردون ذلك إلى اهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال ان يترك مجالستهم وذلك يسير عليه غير عسير وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها العامة فيكون فى حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر .
وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتى عليه الحصر ، وقمنا فى نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة اهل يعصى الله بفعل شئ من المحرمات ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم فى علم الكتاب والسنة فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو البطلان بأوضح مكان فينقدح فى قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه ، فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقدا أنه من الحق وهو والله من ابطل الباطل وانكر المنكر " .
وقد بوب اهل العلم من المحدثين والفقهاء تبويبات عدة فى ذلك منها :
فى سنن أبى داود ( 4/198 ) : ( باب مجانية أهل الأهواء وبغضهم ) .
وفى الترغيب والترهيب للإمام المنذرى ( 3 /14) : الترهيب من حب الأشرار وأهل البدع لأن المرء مع من احب .
وفى الأذكار ( ص 323 ) للإمام النووى " باب التبرى من أهل البدع والمعاصى ) .
حتى جعل بعض اهل العلم ذلك من أبواب العقيدة ، كما فى كتاب " الاعتقاد " ( ص236 ) للإمام البيهقى : " باب النهى عن مجالسة أهل البدع " .
وجعله بعضهم من الخصائص الأساسية لطلب العلم ناهيا عن التلقى عن المبتدع .
لذا ، قال القاضى أبو يعلى رحمه الله تعالى : " أجمع الصحابة والتابعون على مقاطعة المبتدعة " .
وقال الفضيل بن عياض :
" من جلس مع صاحب بدعة ، فاحذروه ومن جلس مع صاحب البدعة لم يعط الحكمة واحب أن يكون بينى وبين صاحب البدعة حصن من حديد " .
وقال يحيى بن ابى كثير : " إذا لقيت صاحب بدعة فى طريق فخذ فى غيره " .
وقد أراد بعض المنتسبين للسنة والسلف مسك العصا من وسطها ، فتراهم يجالسون أهل السنة واهل البدعة بدعوى التوفيق والاحسان .
وهذا مسلك بدعى مخالف لما كان عليه أئمة السلف .
وقال بعض أئمة السلف : " من لم يكن معنا ، فهو علينا " .
فهذا نص جلى ، يبين حقيقة التمايز ووجوبه بين اهل السنة وأهل البدعة .
وولله در القائل :
يا طالب العلم صارم كل بطال وكل غاو إلى الأهواء ميال
ولا تميلن يا هذا على بدع وقد ضل أصحابها يالقيل والقال
وقد قيل للأوزاعى : إن رجلا يقول : أن أجالس اهل السنة وأجالس أهل البدع فقال الأوزاعى : " هذا رجل يريد ان يساوى بين الحق والباطل " .
علق ابن بطة عليه بقوله :
" صدق الأوزاعى ، أقول : إن هذا رجل لا يعرف الحق من الباطل ، ولا الكفر من الايمان " .
وفى مثل هذا نزل القرىن ووردت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" مثل المنافق فى أمتى كمثل الشاه العائرة بين الغنمين ، تصير إلى هذه مرة وغلى هذه مرة " .
ثم قال :
" كثر هذا الضرب فى زماننا لا كثرهم الله ، وسلمنا وإياكم من شر المنافقين وكيد الباغين ولا جعلنا وإياكم من اللاعبين بالدين ، ولا من الذين استهوتهم الشياطين ، فارتدوا ناكصين ، وصاروا حائرين " .
واعلم أيها السنى – علمك الله : أن مؤلفات أهل البدع ومصنفاتهم تجرى عليها أحكام مجانبة أصحابها أيضا .
قال ابن قدامة : " كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع ، ولانظر فى كتبهم ، والاستماع لكلامهم " .
ولذلك يحرم المتاجرة بكتب أهل البدع والضلالة .
قال ابن خويز منداد : " قال مالك : لا تجوز الاجارات فى شئ من كتب الهواء والبدع والتجيم .. وكتب أهل الأهواء عند أصحابنا هى كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم وتفسخ الاجارة فى ذلك " .
وقال ابن السبكى : " ومن حقه أن لا يكتب شيئا من الكتب المضلة ، ككتب أهل البدع والهواء وكذلك لا يكتب الكتب التى لا ينفع الله تعالى بها ، كسيرة عنترة وغيرها من الموضعات المختلفة التى تضيع الزمان وليس للدبن بها حاجة وكذلك كتب اهل المجون وما وضعوه فى أصناف الجماع وصفات الخمور وغير ذلك مما يهيج المحرمات فنحن نحذر النساخ منها فإن الدنيا تغرهم وغالبا مستكتب هذه الأشياء يعطى من الأجرة أكثر مما يعطيه مستكتب كتب العلم فينبغى للناسخ أن لا يبيع دينه بدنياه " .
وقال أيضا : " فمنهم دلال الكتب ، ومن حقه أن لا يبيع كتب الدين ممن يعلم انه يضيعها ، او ينظرها لانتقادها والطعن عليها وان لا يبيع شيئا من كتب أهل البدع والأهواء وكتب المنجمين والكتب المكذوبة كسيرة عنترة وغيره ولا يحل له أن يبيع كافرا لا المصحف ولا شيئا من كتب الحديث والفقه " .
واعلم أيضا : أن القرب من أهل البدع وكتبهم كالجذام والبرص ، ففر منها منها فرارك من الأسد ، ولذلك قال الامام ابو عثمان الصابونى بعد ذكره بغض أهل البدع ومجانبتهم وقال : " ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التى إذا مرت بالآذان وقرت القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت " .
ومن لم يرض لنفسه بما قاله أئمة السلف ، فإنه يخشى عليه سوء العاقبة وتامل ما قاله الذهبى فى ترجمة ابن الريوندى الزنديق :
" وكان يلازم الرافضة والملاحدة فإذا عوتب قال : إنما أريد أن اعرف أقوالهم " .
ثم ماذا ... لقد صار ملحدا زنديقا ، وحط على الدين وأهله .
وفى ترجمة ابن عقيل ، حيث نقل عنه قوله : " كان اصحابنا الحنابلة يريدون منى هجران جماعة من العلماء وكان ذلك يحرمنى علما نافعا " .
فعلق الذهبى بقوله : " كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة ويأبى حتى وقع فى حبائلهم وتجسر على تأويل النصوص نسأل الله السلامة " .
قال الشاطبى : " فإن فرقة النجاة وهم اهل السنة مأمورون بعداوة اهل البدع والتشريد بهم والتنكيل بمن انحاش على جهتهم بالقتل فما دونه وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء لكن الدرك فيعذها على من نسب فى الخروج عن الجماعة ، بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادى مطلقا كيف ونحن مأمورين بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة " .
قال الذهبى : " اكثر أئمة السلف على هذا التحذير ، يرون أن القلوب ضعيفة ، والشبه خطافة".
ورب قائل يقول : وكيف نعرف أهل البدع لنحذرهم ونحذر منهم ، وبخاصة ان كثيرا منهم فى هذه الأيام يتسترون بدعوة اهل السنة والجماعة .
والجواب من وجوه :
أ. يعرف اهل البدع ببيان أهل العلم لهم ، والتحذير من كتبهم ، والتنفير من مجالستهم .
ولا يزال – بحمد الله من يقوم بذلك فى كل عصر فالزم غرز العلماء تنج .
ب. يعرف الرجل من مدخله ومخرجه ، ولذلك فالمبتدع لا يمكن أن يخفى حاله فلا بد أن يظهر منه ما يدل عليه .
قال الأوزاعى : " من ستر عنا بدعته ، لم تخف علينا ألفته " .
وقال نعاذ بن معاذ : " الرجل وإن كنتم رأيه لم يخف ذاك فى ابنه ولا صديقه ولا فى جليسه " .
فمن كان جلساؤه ( الحزبيون ) وشيوخه ( المفكرون الحركيون ) ، واهل مودته ( الطاعنون فى العلماء ) .. فهل يعقل أن يكون سنيا سلفيا ؟! .
قلت : صدقوا ونصحوا وبروا وهكذا العلماء الربانيون ، فإن الرائد لا يكذب أهله ، والنذير العريان لا يخدع قومه .