قال الإمام ابن القيم : و هذا فصلِ مختصر عظيمِ النفع في المحاذرِ، والوصايا الكلية النافعة؛ لتتم منفعة الكتاب. ورأيت لابن ماسويه فصلاً في كتاب »المحاذير« نقلتُه بلفظه:
قال: من أكل البصلَ أربعين يوماً وكلف؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه .
ومن افتصد، فأكل مالحاً؛ فأصابه بهق أو جرب؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن جمع في معدته البيض والسمكَ، فأصابه فالج أو لقوة؛ فلا يلومن إلا نفسه.
ومن دخل الحمام وهو ممتلئ؛ فأصابه فالج؛ فلا يلومن إلا نفسه.
ومن جمع في معدته اللبن والسمك؛ فأصابه جذام، أو برص، أو نقرِسٌ؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن جمع في معدته اللبن والنبيذ؛ فأصابه برص أو نقرِس؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه .
ومن احتلم، فلم يغتسل حتى وطئ أهله؛ فولدت مجنوناً أو مخبلاً؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه .
ومن أكل بيضاً مسلوقاً بارداً، وامتلأ منه؛ فأصابه ربو؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن جامع، فلم يصبِر حتى يفرِغ؛ فأصابه حصاة؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن نظر في المرآة ليلاً؛ فأصابه لقوة، أو أصابه داء؛ فلا يلومنَّ إلا نفسه.
فصل
وقال ابن بختيشوع: احذر أن تجمع بين البيض والسمك؛ فإنهما يورثان القولنج، والبواسير، ووجع الأضراس .
وإدامة أكلِ البيض يولِّد الكلف في الوجه، وأكل الملوحة والسمك المالح والافتصاد بعد الحمَّامِ، يولد البهق والجرب .
إدامة أكل كلى الغنم يعقر المثانة .
الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك الطريِّ يولِّد الفالج.
وطء المرأة الحائض يولِّد الجذام.
الجماع مِن غير أن يهريق الماء عقيبه يولِّد الحصاة.
طول المكث في المخرج يُولِّد الداء الدويَّ.
قال أبقراط : الإقلال من الضار، خيرٌ من الإكثار من النافع.
وقال: استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب، وبترك الامتلاء من الطعام والشراب .
وقال بعض الحكماء: من أراد الصِّحة؛ فليجوِّد الغذاء، وليأكل على نقاء، وليشرب على ظمأ، ولُيقِلل من شُرب الماء، ويتمدَّد بعد الغداء، ويَتمشَّ بعدَ العَشاء، ولا ينم حتى يعرِض نفسه على الخلاء، وليحذر دخول الحمام عقيبَ الامتلاء، ومرة في الصيف خيرٌ من عشرٍ في الشتاء، وأكلُ القديد اليابس بالليل معينٌ على الفناء، ومجامعة العجائز تُهْرِمُ أعمارَ الأحياءِ، وتسقم أبدانَ الأصحاء، ويروى هذا عن علي -رضي الله عنه-، ولا يصحُّ عنه، وإنما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، وكلامِ غيره.
وقال الحارث : من سره البقاء - ولا بقاء –؛ فليباكرِ الغداء، وليعجل العشاء، وليخفف الرِّداء، وليقلَّ غشيان النساء .
وقال الحارث : أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، وجماع العجوز .
ولما احتضر الحارث: اجتمع إليه الناس، فقالوا : مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا شابة، ولا تأكلوا من الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا يتعالجَّن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بتنظيف المعدة في كل شهر؛ فإنها مذيبة للبلغم، مهلكة للمرة، منبتة للحم، وإذا تغدَّى أحدكم؛ فلينم على إثر غدائه ساعة، وإذا تعشَّى؛ فليمش أربعين خطوة .
وقال بعض الملوك لطبيبه: لعلَّك لا تبقى لي، فصف لي صفة آخذها عنك.
فقال: لا تنكح إلا شابة، ولا تأكل من اللحم إلا فتياً، ولا تشرب الدواء إلا من علة، ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها، وأجد مضغ الطعام . وإذا أكلت نهاراً؛ فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلاً؛ فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة، ولا تأكلنَّ حتى تجوع، ولا تتكارهنَّ على الجماع، ولا تحبس البول، وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك، ولا تأكلنَّ طعاماً وفي معدتك طعامٌ، وإياك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه، فتعجز معدتك عن هضمه، وعليك في كل أسبوع بقيئة تنقِّي جسمك، ونعم الكنز الدم في جسدك؛ فلا تخرِجه إلا عند الحاجة إليه، وعليك بدخول الحمام؛ فإنه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه .
وقال الشافعي :
أربعة تقوي البدن: أكل اللحم، وشمُّ الطيب، وكثرة الغسلِ من غير جماع، ولبس الكتَّان .
وأربعة توِهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحامض .
وأربعة تقوي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النوم، والنظر إلى الخضرة، وتنظيف المجلس .
وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر، وإلى المصلوب، وإلى فرج المرأة، والقعود مستدبر القبلة .
وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير، والإطريفل، والفستق، والخروب .
وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، ومجالسة العلماء .
وقال أفلاطون : خمس يذبن البدن- وربما قتلن-: قصر ذات اليد، وفراق الأحبة، وتجرع المغايظ، ورد النصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء .
وقال طبيب المأمون : عليك بخصال- من حفظها؛ فهو جدير أن لا يعتل إلا علة الموت-: لا تأكل طعاماً وفي معدتك طعام، وإياك أن تأكل طعاماً يتعب أضراسك في مضغه؛ فتعجز معدتك عن هضمه، وإياك وكثرة الجماع؛ فإنه يطفئ نور الحياة، وإياك ومجامعة العجوز؛ فإنه يورث موت الفجأة، وإياك والفصد إلا عند الحاجة إليه، وعليك بالقيء في الصيف .
ومن جوامع كلمات أبقراط، قوله: كل كثير فهو معاد للطبيعة .
وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرض ؟ فقال: لأني لم أجمع بين طعامين رديئين، ولم أدخل طعاماً على طعام، ولم أحبس في المعدة طعاماً تأذيت به .
فصل
وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير، والنوم الكثير، والأكل الكثير، والجماع الكثير .
فالكلام الكثير: يقلل مخ الدماغ ويضعفه، ويعجل الشيب .
والنوم الكثير: يصفر الوجه، ويعمي القلب، ويهيج العين، ويكسل عن العمل، ويولد الرطوبات في البدن.
والأكلُ الكثير: يفسِدُ فم المعدة، ويُضعف الجسم، ويولِّدُ الرياح الغليظة، والأدواء العسرة .
والجماع الكثير: يهدُّ البدن، ويضعف القوى، ويجفِّف رطوبات البدنِ، ويرخي العصب، ويورث السُّدد، ويعمُّ ضرره جميع البدن، ويخصُّ الدماغ لكثرة ما يتحلل به: من الروح النفسانيِّ، وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات، ويستفرغ مِن جوهر الروح شيئاً كثيراً .
وأنفع ما يكون: إذا صادف شهوةً صادقة مِن صورة جميلة حديثةِ السن حلالاً؛ مع سنِ الشُّبوبية، وحرارةِ المزاج ورطوبته، وبُعدِ العهد به، وخَلاءِ القلب مِن الشواغل النفسانية؛ ولم يُفرط فيه، ولم يُقارنه ما ينبغي تركُه معه: مِن امتلاء مفرط، أو خواء، أو استفراغ، أو رياضة تامة، أو حرِّ مفرط، أو برد مفرط، فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة: انتفع به جداً. وأيها فُقِدَ: حصل له من الضرر بحسبه. وإن فُقِدت كلُّها أو أكثرها: فهو الهلاك المعجَّل.
فصل
والحمية المفرطة في الصحة؛ كالتخليط في المرض، والحمية المعتدلة نافعة.
وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثاً، وعليكم بأربع، ولا حاجة بكم إلى طبيب: اجتنبوا الغُبار، والدخان، والنَّتن. وعليك بالدَّسم، والطِّيب، والحلوى، والحمَّام. ولا تأكلوا فوقَ شبعكم، ولا تتخللوا بالباذَرُوج( 1) والرِّيحان، ولا تأكلوا الجوزَ عند المساء، ولا ينم من به زُكمة على قفاه، ولا يأكل من به غمٌّ حامِضاً، ولا يُسرِعِ المشيَ من افتصد: فإنه مخاطرةُ الموت. ولا يتقيأ مَن تؤلمه عينُه، ولا تأكلُوا في الصيف لحماً كثيراً، ولا ينم صاحبُ الحمّى الباردة في الشمس، ولا تقرُبوا الباذنجان العتيق المبزر، ومن شرب كل يوم في الشتاء قدحاً من ماء حار أمِن من الأعلال، ومن دَلَكَ جسمه في الحمام بقشُور الرمان، أَمِنَ مِن الجرب والحكة، ومن أكل خمسَ سَوْسنات مع قليل مُصْطَكى روميّ، وعودٍ خام، ومسك؛ بقي طولَ عمره لا تضعُفَ معِدَتُه ولا تفسد. ومن أكل بِزر البطيخ مع السكر، نظف الحصى مِن معدته، وزالت عنه حُرقة البول .
فصل
أربعة تهدم البدن: الهمُّ. والحزن، والجوع، والسهر .
وأربعة تفرِح: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، والمحبوب، والثمار.
وأربعة تظلم البصر: المشيُّ حافياً، والتصبح والإمساء بوجه البغيض والثقيل، والعدو، وكثرةُ البكاء، وكثرة النظر في الخط الدقيق .
وأربعة تقوي الجسم: لبس الثوب الناعم، ودخول الحمام المعتدل، وأكل الطعام الحلو والدسم، وشم الروائح الطيبة .
وأربعة تيبس الوجه، وتذهب ماءه وبهجته وطلاقته: الكذب، والوقاحة، وكثرة السؤال عن غير علم، وكثرة الفجور .
وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتقوى.
وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر، والحسد، والكذب، والنميمة.
وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره.
وأربعة تمنع الرزق: نوم الصُّبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة.
وأربعةٌ تُضُّر بالفهم والذهن: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنوم على القفا، والهمُّ، والغمُّ.
وأربعةٌ تزيد في الفهم: فراغ القلب، وقلة التملِّي من الطعام والشراب، وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدَّسمة، وإخراج الفضلات المثقلة للبدنِ.
ومما يضرُّ بالعقل: إدمان أكل البصل والباقلا والزيتون والباذنجان، وكثرة الجماع، والوحدة، والأفكار، والسُّكر، وكثرة الضحك، والغم .
قال بعض أهل النظر: قطعت(2 ) في ثلاث مجالس، فلم أجد لذلك علة: إلا أني أكثرت مِن أكلِ الباذنجان في أحد تلك الأيام، ومن الزيتون في الآخر، ومن الباقلا في الثالث.
فصل
قد أتينا على جملة نافعة من أجزاء الطبِّ العلميِّ والعملي، لعل الناظر لا يظفر بكثير منها إلا في هذا الكتاب، وأريناك قرب ما بينها وبين الشريعة، وأن الطبَّ النبوي: نسبة طبِّ الطبائعيين إليه، أقلُّ من نسبة طب العجائز إلى طبهم .
والأمر فوق ما ذكرناه، وأعظم مما وصفناه بكثير، ولكن: فيما ذكرناه تنبيه باليسير على ما وراءه، ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل، فليعلم ما بين القوة المؤَّيدة بالوحي من عند الله، والعلوم التي رزقها الله الأنبياء، والعقول والبصائر التي منحهم الله إياها؛ وبين ما عند غيرهم.
ولعل قائلاً يقول: ما لهدي الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وما لهذا الباب، وذكر قوى الأدوية، وقوانين العلاج، وتدبيرِ أمر الصحة؟.
وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا وأضعافَه، وأضعاف أضعافه: من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه، ودلالته عليه، وحسن الفهم عن الله ورسوله منٌّ يمنُّ الله به على من يشاء من عباده .
فقد أوجدناك أصولَ الطب الثلاثة في القرآن، وكيف تُنكر أن تكونَ شريعةُ المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان؛ كاشتمالها على صلاح القلوب؟! وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها، ودفع آفاتها؛ بطرق كلية، قد وُكِل تفصيلُها إلى العقل الصحيح، والفِطرة السليمة؛ بطريق القياس والتنبيه والإيماء؛ كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه، ولا تكن ممن إذا جهل شيئاً عاداه.
ولو رزِق العبد تضلعاً من كتاب الله وسنة رسوله، وفهماً تاماً في النصوص ولوازمها: لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه.
فمدارُ العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلِك مسلَّم إلى الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه-؛ فهم أعلم الخلق بالله وأمرِِه وخلقه، وحِكمته في خلقه وأمره.
وطبُّ أتباعهم: أصحُّ وأنفع من طب غيرهم ، وطبُّ أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم: محمَّد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وعليهم-: أكمل الطب وأصحُّه وأنفعه.
ولا يعرِف هذا إلا من عرف طبَّ الناس سواهم وطبَّهم، ثم قارن بينهما؛ فحينئذ يظهر له التفاوت، وهم أصحُّ الأمم عقولاً وفطراً، وأعظمهم علماً ، وأقربهم في كل شيء إلى الحقّ؛ لأنهم خيرة الله من الأمم، كما أن رسولهم خيرته من الرسل ، والعلم الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة؛ أمرٌ لا يدانيهم فيه غيرهم.
وقد روى الإمام أحمد في »مسنده« من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده –رضي الله عنه-، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» أنتم توفون سبعين أمة؛ أنتم خيرها وأكرمها على الله«( 3)؛ فظهر أثر كرامتها على الله –سبحانه- في علومهم وعقولهم، وأحلامهم وفِطرهم، وهم الذين عرِضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم، وأعمالهم ودرجاتهم؛ فازدادوا بذلك علماً وحلماً وعقولاً، إلى ما أفاض الله –سبحانه وتعالى- عليهم من علمه وحلمه.
ولذلك كانت الطبيعة الدمويَّة لهم، والصفراويَّة لليهود، والبلغمية للنصارى؛ ولذلك غلب على النصارى: البلادة، وقلة الفهم والفطنة. وغلب على اليهود: الحزن والهمُّ والغمُّ والصَّغار. وغلب على المسلمين: العقل والشجاعة، والفهم والنجدة، والفرح والسرور .
وهذه أسرار وحقائق إنما يعرِف مقدارها: من حسن فهمه، ولطف ذهنه، وغزر علمه، وعرف ما عند الناس. وبالله التوفيق.
-----------------------------
(1 ) الباذروج: بقلة معروفة تقوي القلب جداً، وتقبض، إلا أن تصادف فضة فتسهل.
(2 ) أي: غلب في المناظرة والمباحثة.
(3 ) أخرجه الترمذي(3001)، وابن ماجه (4288)، وأحمد (5/5)، وحسنه شيخنا الألباني-رحمه الله- في »مشكاة المصابيح« (6/505/6249-» هداية الرواة«).
المقال من الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ سليم بن عيد الهلالى حفظه الله
في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل شكوى بالرقية( 1) الإلهية
عن أبي سعيد الخدري: أن جبريل - عليه السلام - أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد! اشتكيت؟ فقال: نعم"، فقال جبريل –عليه السلام-: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شرِ كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أَرقيك" (2 ) .
فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود: "لا رقية إلا من عين، أو حمة"
والحمة: ذوات السموم كلها .
فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به نفي جوازِ الرقية في غيرها؛ بل المراد به: لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة، ويدل عليه سياق الحديث؛ فإن سهل بن حنيف قال له- لما أصابته العين-: أوَ في الرُّقى خير؟ فقال: "لا رقية إلا في نفس أو حمة"، ويدل عليه سائرُ أحاديث الرقى العامة والخاصة(3 ).
ومن حديث أنس، قال:" رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العينِ، والحمة، والنملة" ( 4).
في هديه صلى الله عليه وسلم في رُقية اللَّدِيغ بالفاتحة
عن أبي سعيد الخدري، قال: انطلق نفر من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافرُوها، حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فَأبَوا أن يُضِّيفُوهم، فَلُدغ سيِّدُ ذلك الحي، فَسَعْوا له بكُلِّ شيء لاَ يَنْفْعَهُ شيء، فقال بعضهم: لو أتيتُم هؤلاء الرهطِ الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا : يا أيها الرهطُ! إن سيِّدَنَا لُدِغَ، وسَعينا له بِكُلِّ شيء لا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِندَ أحدٍ منكم من شيء ؟ فقال بعضُهم: نِعم والله إني لأَرْقي، ولكن استَضَفْنَاكُم، فلم تُضيِّفُونا، فما أنا بَرَاقٍ حتى تَجْعَلُوا لنا جُعلاً، فصالحَوهم على قَطيعٍ مِن الغنم، فانطلق يَتْفُل عليه، ويقرأ:( الحمد لله رب العالمين )؛ فكأنما نشِطَ مِن عقَال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَةٌ( 5) ، قال: فأَوْفْوهُم جُعْلَهُم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضُهم: اقتسِمُوا، فقال الذي رَقَى : لا تفعلوا حتى نأتيَ رُسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فنذُكَر له الذي كان، فننظُرَ ما يأمُرنا، فَقَدِمُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال:"وما يدرِيك أنَها رقية؟" ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضرِبوا لي معكم سهما"(6 ).
ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواصُّ ومنافع مجربة؛ فما الظنُّ بكلام ربّ العالمين، الذي فضله على كلٍ كلام؛ كفضلِ الله على خلقه؛ الذي هو الشفاء التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أنزل على جبل لتصَّدع من عظمته وجلالته، قال -تعالى-:
( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للعالمين ) [ الإسراء:82]، و(مِن)- ها هنا- لبيان الجنس، لا للتبعيض، هذا أصَحُّ القولين؛ كقوله -تعالى-:
( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) [ الفتح:29]، وكلُّهُمْ مِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فما الظنُّ بفاتحة الكتاب التي لم يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلُها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى – ومجامعها، و هي: الله، والرب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الربِّ –سُبحانه- في طلبِ الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه –سبحانه- بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه، وما العبادُ أحوج شيءٍ إليه، وهو الهدايةُ إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أَمَرَ به، واجتناب ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذِكر أصنافِ الخلائق وانقسامهم إلى مُنْعمٍ عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدُوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له .
وهؤلاء أقسامُ الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر والشرع، والأسماء والصفات، والمعاد، والنبوات وتزكية النفوس وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله وإحسانه، والرد على جميع أهل البدع والباطل؛ كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير "مدارج السالكين " في شرحها . وحقيق بسورةٍ هذا بعضُ شأنها: أن يُستشفى بها من الأدواء، ويُرقى بها اللديغُ .
وبالجملة: فما تضمنته الفاتحةُ من إخلاص العبودية والثناء على الله، وتفويضِ الأمر كُلِّه إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النِّعم كلها، وهي الهداية التي تجلبُ النعم، وتَدفعُ النِّقم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية.
وقد قيل: إن موضع الرُّقية منها: إياك نعبد وإياك نستعين. ولا ريبَ أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل، والالتجاء والاستعانة، والافتقارِ والطلب، والجمع بين أعلى الغايات ،وهي عبادةُ الرَّب وحده، وأشرف الوسائل وهي الاستعانةُ به على عبادته ما ليس في غيرها.
ولقد مَّر بي وقت بمكة سَقْمِتُ فيه، وفَقَدْتُ الطبيبَ والدواء، فكنت أتعالج بها: آخذ شربةً من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مَراراً، ثم أشربه، فوجدتُ بذلك البَرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غايةَ الانتفاع(7 ).
فصل
وفي تأثير الرُّقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السُّموم سِر بديع، فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسِها الخبيثة؛ كما تقدم، وسِلاحها حُماتها التي تلدَغُ بها، وهيَ لا تلدغ حتى تغضَب، فإذا غضبت: ثار فيها السُّمُّ؛ فتقذفه بآلتها، وقد جعل اللهُ –سبحانه- لكل داءٍ دواءً، ولكل شيء ضِداً، ونفس الراقي تفعلُ في نفس المرقي، فيقعُ بين نفسيهما فعل وانفعال؛ كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفسُ الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء، فيدفعُه بإذن الله، ومدارُ تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني والطبيعي. وفي النفث والتّفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، والذكر والدعاء، فإن الرقية تخرُج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيءٌ من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس، كانت أتمَّ تأثيراً، وأقوى فعلاً ونفوذاً، ويحصُل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية .
وبالجملة: فنفس الراقي تُقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيدُ بكيفية نفسه، وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس الراقي أقوى، كانت الرقية أتم، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة بلسعها .
وفي النفث سِر آخر: فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعلُه السحرةُ، كما يفعله أهلُ الإيمان .
قال -تعالى-: ( ومن شر النفاثات في العقد ) وذلك لأن النفس تتكيَّف بكيفية الغضب والمحاربة، وتُرسِلُ أنفاسَها سِهاماً لها، وتمدُّها بالنفث والتفل الذي معه شيء من الرِّيق مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحِرُ تستعين بالنفث استعانةُ بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العُقدة وتعقِدها، وتتكلم بالسحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابِلُها الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع والتكلم بالرقية، وتستعينُ بالنفث فأيهما قوي كان الحكم له. ومقابلة الأرواح بعضها لبعض ومحاربتُها وآلتها مِن جنس مقابلة الأجسام، ومحاربتها وآلتها سواء، بل الأصل في المحاربة والتقابل للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب عليه الحِسُّ لا يشعرُ بتأثيرات الأرواح وأفعالِهَا وانفعالاتِهَا لاستيلاء سُلطان الحِسِّ عليه، وبُعْدِهِ من عالم الأرواح، وأحكامها، وأفعالها .
والمقصود: أن الروح إذا كانت قويةً وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة، فأزالته، والله أعلم .
-------------------------
(1 ) الرقى لها آثار عظيمة وفوائد عجيبة تتضاءل الأفهام وتتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
والرقى الإلهية كلام مأثور يستشفى به من كل عارض.
(2 ) أخرجه مسلم (2186).
(3 ) وانظر -لزاماً- ما حرره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في "فتح الباري" (10/96/5735).
(4 ) انظر (ص 229 - صحيح الطب النبوي).
(5 ) أي ما به ألم يقلب لأجله على الفراش.
(6 ) أخرجه البخاري (5749)، ومسلم (2201).
أفاد هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على الرقية، لكن كثيراً من (المعالجين) أو (الراقين) توسعوا في ذلك توسعاً مذموماً وفساده أضحى معلوماً حيث اتخذوا الرقية رقية؛ لأكل أموال الناس بالباطل.
لقد بات الإنسان يسمع في هذا الباب كثيراً من الغرائب والعجائب:
فهناك من انقطع لهذا العمل.
وآخر دائم التجوال في البلدان في رحلات علاجية.
وثالث افتتح عيادات بل مشافي لاستقبال المرضى: فتح الملف بكذا….والمقابلة بكذا…والقراءة بكذا…والمراجعة بكذا…والجلسة الخاصة بكذا…والجلسة العامة بكذا…..إلى آخر سلسة الصيد الخبيث باسم الرقية الشرعية، وبخاصة أن كثيراً من هؤلاء المعالجين يتغنون بالانتصارات الخارقة على ملوك الجن وقادتهم الكبار وهزيمة جنودهم ودحر عساكرهم…كل ذلك يجري في حملة دعائية منظمة وحفلة تجارية مفبركة.
وإليك صور من توسعهم الذي يدل على عدم تقواهم وورعهم:
أ- بعضهم يقوم بالقراءة على (برميل) مملوء بـ(الماء) أو (الزيت)، ثم يحركه بـ (عصاه)، ثم يوزعه على (مرضاه)؛ بل (ضحاياه).
ب- آخر يقوم بالقراءة على زجاجات المياه المعدنية دون فتحها؛ لأن وقته ضيق وثمين.
ت- ثالث يجمع مرضاه في ساحة عامة، ثم يقرأ عليهم مرة واحدة في (الميكروفون)!
ث- ورابع يقرأ على مرضاه بالهاتف العابر للقارات!
د- وأخير يأخذ مرضاه إلى المقابر وفي الليل؛ ليخيف الجن...!!
ومن مفاسدهم الدينية والدنيوية:
أ- صار كثير من الناس يعتقدون أن لهذا القارىء أو الراقي خصوصية وبركة، ولم تعد ثقتهم بكلام الله، والأصل في الرقية كلام الله وليس الراقي.
ب- توهم كثير من المعالجين؛ لازدحام الناس على أبوابهم أنهم من الأولياء الأبرار! وهم –في الحقيقة- من الأغرار، بل بعضهم من الضالين الفجار!!
ت- نتيجة لرواج هذه القضية: قام كثير من المشعوذين والدجالين بالتخفي وراء الرقية؛ لممارسة الموبقات بكل أشكالها وألوانها، وارتكاب الكبائر باختلاف صورها، واتخذوها وسيلة لاصطياد النساء، والعياذ بالله.
ولقد سمعت من بعض المعالجين التائبين قصصاً يندى لها الجبين…فالله المستعان.
( 7) قال المصنف – رحمه الله- في " مدارج السالكين" (1/57-58) " …وأما شهادة التجارب بذلك؛ فهي أكثر من أن تذكر. وذلك في كل زمان وقد جرّبت أنا ذلك بنفسي وفي غيري أمور عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة. فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني.
وذلك أثناء الطواف وغيره. فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم؛ فكأنه حصاة تسقط. جربت ذلك مرات عديدة. وكنت آخذ قدحاً من ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة مراراً فأشربه؛ فأجد به من النفع والقوة مالم أعهد مثله في الدواء، والأمر أعظم من ذلك. ولكن بحسب قوة الإيمان ، وصحة اليقين. والله المستعان" .
وعلق الشيخ حامد الفقي- رحمه الله- على ذلك فقال: "… وهل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن خلفائه الراشدين، فعل شيء من ذلك؟ وقد جاعوا يوم الخندق، حتى ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه، ومرت به صعاب أشد من ذلك"
قلت: فتح باب التجارب في الشرع يؤدي إلى شر مستطير ونشر الشعوذة والدجل ورواج الأوهام.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله- في " اقتضاء الصراط المستقيم" (ص320): "وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير، مثل: أن رجلاً دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته. ونحو ذلك, وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام.
فإن القوم كانوا أحياناً يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها. ولذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد من أهل الهند وغيرهم.
وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته.
وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض"
وقد أشبع شيخ الإسلام هذه المسألة في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص248-356و359-365)؛ فانظره –لزاماً- تعلم أن باب التجارب في الأمور الشرعية ليس له عين ولا أثر
منقول من الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ سليم بن عيد الهلالى حفظه الله